ابن قيم الجوزية
305
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
أرانا موضعين لحتم عيب * وسحر بالطعام وبالشراب أي مسرعين . ومنه قول عمر بن أبي ربيعة . يتألهن بالعرفان لما عرفتني * وقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا أي أسرع حتى كلت مطيته يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ قال قتادة وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم ، وقال ابن إسحاق : وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم . ومعناه على هذا القول : وفيكم أهل سمع وطاعة لهم لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم . قلت : تتضمن « سماعون » معنى مستجيبين . وقال مجاهد وابن زيد والكلبي : المعنى وفيكم ميول لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم ، أي جواسيس والقول هو الأول . كما قال تعالى : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ * أي قابلون له . ولم يكن في المؤمنين جواسيس للمنافقين . فإن المنافقين كانوا مختلطين بالمؤمنين ، ينزلون معهم ويرحلون ويصلون معهم ، ويجالسونهم ، ولم يكونوا متحيزين عنهم قد أرسلوا فيهم العيون ينقلون إليهم أخبارهم . فإن هذا إنما يفعله من انحاز عن طائفة ولم يخالطها . وأرصد بينهم عيونا له . فالقول قول قتادة وابن إسحاق واللّه أعلم . فإن قيل : انبعاثهم إلى طاعته طاعة له . فكيف يكرهها ؟ وإذا كان سبحانه يكرهها فهو يحب ضدها لا محالة ، إذ كراهة أحد الضدين تستلزم محبة الضد الآخر فيكون قعودهم محبوبا له ، فكيف يعاقبهم عليه ؟ . قيل : هذا سؤال له شأن ، وهو من أكبر الأسئلة في هذا الباب . وأجوبة الطوائف على حسب أصولهم . فالجبرية : تجيب عنه بأن أفعاله لا تعلل بالحكم والمصالح . وكل ممكن فهو جائز عليه . ويجوز أن يعذبهم على فعل ما يحبه ويرضاه وترك ما